صديق الحسيني القنوجي البخاري
398
فتح البيان في مقاصد القرآن
تطيع ربها لأنه خلقها ، يقال فلان محقوق بكذا . ومعنى طاعتها أنها لا تمتنع مما أراده اللّه بها . قال قتادة حق لها أن تفعل ذلك ، ومن هذا قول كثير : فإن تكن العتبى فأهلا ومرحبا * وحقت لها العتبى لدنيا وقلت وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ أي بسطت كما تبسط الأدم ودكت جبالها وكل أمت فيها حتى صارت قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً [ طه : 106 ، 107 ] قال مقاتل سويت كمد الأديم فلا يبقى عليها بناء ولا جبل إلا دخل فيها ، وقيل مدت زيد في سعتها من المدد ، وهو الزيادة ، قال ابن عباس : تمد يوم القيامة . وأخرج الحاكم قال السيوطي بسند جيد عن جابر قال : قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « تمد الأرض يوم القيامة مد الأديم ثم لا يكون لابن آدم فيها إلا موضع قدميه » . وَأَلْقَتْ ما فِيها أي أخرجت ما فيها من الأموات والكنوز وطرحتهم إلى ظهرها ورمت وَتَخَلَّتْ من ذلك ، قال ابن عباس أخرجت ما فيها من الموتى وتخلت ممن على ظهرها من الأحياء ومثل هذا قوله : وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [ الزلزلة : 2 ] والمعنى تخلت غاية الخلو لم يبق شيء في باطنها كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو يقال تكرم الكريم إذا بلغ جهده في الكرم ، وتكلف فوق ما في طبعه ، وذلك يؤذن بعظم الأمر . وقيل ألقت ما استودعته وتخلت مما استحفظته . ووصفت الأرض بالإلقاء والتخلية توسعا وإلا فالتحقيق أن المخرج لتلك الأشياء هو اللّه تعالى . وَأَذِنَتْ لِرَبِّها أي سمعت وأجابت وأطاعت لما أمرها به من الإلقاء والتخلي ، وقال ابن عباس سمعت حين كلمها وعنه قال أطاعت وحقت بالطاعة وعنه قال سمعت وأطاعت وَحُقَّتْ أي وجعلت حقيقة بالاستماع لذلك والانقياد له إذ هي مصنوعة مربوبة للّه تعالى ، وقد تقدم بيان معنى الفعلين قبل هذا ، وليس تكرارا لأن الأول في السماء وهذا في الأرض ، وتكرير إذا لاستقلال كل من الجملتين بنوع من القدرة . [ سورة الانشقاق ( 84 ) : الآيات 6 إلى 15 ] يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ( 6 ) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ( 7 ) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً ( 8 ) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ( 9 ) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ ( 10 ) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً ( 11 ) وَيَصْلى سَعِيراً ( 12 ) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً ( 13 ) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ( 14 ) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً ( 15 ) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ المراد جنس الإنسان فيشمل المؤمن والكافر وقيل هو الإنسان الكافر والأول أولى لما سيأتي من التفصيل إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً الكدح في كلام العرب السعي في الشيء بجهد من غير فرق بين أن يكون ذلك الشيء